المعلق ده رغّااااااااى

مرسلة بواسطة حسام حسان On 1:20 م

للأسف كررت غلطتى التاريخية بأنى أروح أتفرج على المتش الوطنى وسط المتفرجين فى النادى ، وكأن الواحد مبيتعلمش من أخطائه أبداً ، ومحستش بغلطتى إلا لمّا بدأ واحد من المتحمسين تسخينه للناس ، ووقف كقائد أعلى محنك ، وقال بكل حماس قبل ما اللعيبة تتحرك من أماكنها ، والحكم لسه بيقول ياهادى وهيصفّر.. "لا وقفتهم حلوة فعلاً .. بصوا واقفين ازاى ... دول بيلعبوا بطريقة 4 – 3 ..." وقطع كلامه اكتشافه إنه كان هيقول على تشكيلة ملهاش تقريباً علاقة بكرة القدم أو على الأقل بتشكيلة الفريق (العظيم فى وقفته).

المهم إن المتش بدأ وصاحبنا كان بيعلقلنا على كل كورة ، "لا بقى مش عاوزين كعوب" ، "يلا يلا باصى للى جمبك .. فاضى اهه .. حلوة .. شووووط ... شوط يا ...." ، والغريب فى الأمر إنى توقعت حد ابن حلال يقوم يعقل الشاب ده ، ويفهمه إنه كده بيبوّظ علي أهالينا المتش ، لكن اتضحلى إن تقريباً كانت الناس منسجمة إلى حد ما من جو الإثارة والتوتر اللى هو عاملهولنا ، وهو تقريباً برضه اكتشف كده ، فزودها أوى ، ومع كل كورة يقوم يوجه اللعيبة ويديلهم النصايح الذهبية بتاعته ، ويطمنهم إن المتش فى إيديهم ، وشدّوا حيلكوا يا رجالة.

المثير للإعجاب فى الشاب ده إنه احتفظ بلياقته الكلامية والحماسية طول المتش ، وقلت يارب يهدى ويتعب على الشوط التانى ، ولاّ يكون صوته راح شوية ، لكن كل ثانية فى المتش كانت بتزيده حماسة وقوة ، ومش قادر أحكى أكتر من كده على اللى حصل فى المتش من الشاب المتعصب ، غير إنه قال باستغراب واستنكار وتنديد شديد اللهجة ، "المعلق ده رغّاى أوى كده ليه" ، وده نفس المعلق اللى احنا مش سامعين هو بيقول إيه أصلاً ، نظراً للتعليق البديل من الشاب الكروى المذهل.

احنا بنتكلم كتير أوى ، بحس إن احنا بناخد الكلام ده متعة زى الأكل والشرب واللعب ، وبنفتح فى الكلام فى أى وقت وفى أى مناسبة ومع أى حد ، عشان كده أحياناً الأجانب اللى بيجوا مصر ، وينجوا من مصائد النصابين ، وخدع بعض سوائقين التاكسيات اللى بيلففوهم مصر كلها ، حتى لو المشوار مياخدش عشر دقايق ، عشان يدفّعوهم أكتر ، المهم اللى بينجوا من المصايب دى ، بيرجعوا يقولوا على شعب مصر إنه شعب (فريندلى) ، والحق يقال ، إحنا فعلاً ناس فرندلى ، بس أحياناً فرندلى بزيادة أوى.

الدليل على كده ، جرّب تمشى فى مكان غريب عليك، (وعلى سبيل التجربة أرجوك ، متعملهاش فى الحقيقة )، اسأل واحد على مكان ما ، أو عمارة أو شارع ، فهيمسكك كأنه (قفش) حرامى ، ويقولك "بص يا بيه ، إنت تمشى كده طوّالى ، وبعدين تحود يمين ، هتلاقى حيطة ، سيبها و ...." ، وتلاقيه حكالك حوار طويل عريض ، فوهو بيحكيلك الحكاية تقع عينيك على العمارة اللى بتسأل عليها قدامك بالظبط ، "إيه ده ؟ مش دى العمارة؟" ، فيحس بغلطته ويقولك كأنك إنت الغلطان " مش كنت تقول إنك عاوز العمارة دى .. يلا حمد على السلامة" ، ده فى حالة إنه عرف يفتى ، أما لو معرفش ، فيحاول برضه ، وكأنه هيكسب الجايزة الكبرى ، ويسأل السؤال المشهور ، اللى أقل ما يوصف به إنه سؤال فضولى سخيف ، "إنت عاوز مين هناك يا بيه ؟؟"

ياترى إحنا ممكن نتقدم فى حياتنا لو فضل كل همنا ومتعتنا الكلام ، ندخل على الموظفين الصبح ، تلاقى الموظفة ماسكة ودن زميلتها ، وهات يا رغى ،.. طب وفين الشغل يا (أختشى) ؟، .. وعشان كده ممكن يطلع الصافى اللى بيشتغله الموظف المصرى على حق ربنا ميكملش ساعة ساعتين فى اليوم كله ، ده بعد طرح فترة (التزويغات).

فى معادلة منطقية وشهيرة فى أى مكان فى العالم ، وهى إن الكلام القليل يساوى شغل كتير ، ودى الحقيقة اللى ماشية علينا تمام ، وماشية برضه على الدول المتقدمة ، فمثلاً أنا كنت شغّال فى شركة عاملة عقد مع شركة ألمانية ، ولفترة كبيرة ، والمفروض إن كان بينّا عيش وملح ، وايميلات وتليفونات راحة جاية ، وفى معرض كان معمول على أرضهم ، جم على مكان الشركة بتاعتنا ، وقالوا "احنا شايفين إن ظروفنا مش هتسمح نكمل معاكم العقد الفترة الجاية" ، طب ثوانى ، اشربوا حاجة ، الشاى طيب ، طب مفيش سلامو عليكو حتى ، يا جدعان استنوا ، قولولنا الأسباب ، ... مفيش خلاص ، هو قال اللى عايزه فى جملة والسلام ، لسه هيقعد يحكى ظروفه وقصة حياته اللى خلته ياخد القرار ، الناس دى عملية أوى.

طب مش لازم نبقى زى الماكينات الألمانية ، متيجوا نخلينا وسط ، يعنى نتكلم وكل حاجة ، ونساعد كل الناس ، بس بالوسط ، وبالحق ، ومن غير مانتعدى على بعض ، وعلى تخصصات بعض ، وعلى فكر بعض ، ومن غير ما نفتى على بعض.

أغلب الناس فى مصر تلاقى عندهم صيدليات صغيرة فى بيتهم ، ولمّا يحصلهم حاجة ، أو يتعبوا ، نلاقيهم يفتحوا الصيدلية ، ويخرّجوا منها الدوا (المناسب) لحالتهم ، وتلاقى المهندس لمّا تسأله عن أى مرض وعلاجه يجاوبك ، ولا أحسن طبيب فى العالم ، وتلاقى مدرسين الجغرافيا ، بيدرّسوا العلوم ، وبتوع الاقتصاد بيعملوا تجارب فى المعامل ، وكله فاهم فى حاجة التانى ، والدنيا زى الفل ، احنا هنعقدها ليه.

للأسف كلامنا الكتير فى كل حاجة ، نفهم فيها ، أو ما نفهمش فيها ، حاجة بتقلل من شخصياتنا كتير ، وبتفضح عدم اهتمامنا ولا احترامنا للتخصص ، كمان بتخلق حالة من الزهق والملل ، لإن تخيل الكلام بقى أرخص حاجة فى الدنيا ، وكل اللى بنعرف نعمله ، نتكلم نتكلم نتكلم ، وكأى حاجة فى الدنيا ، كل ما يزيد عددها ، يقل قيمتها ، وده اللى حصل مع الكلام دلوقتى ، فبقينا نسمع كلام تافه فى كل حاجة فى حياتنا ، ومن كتر ما الناس اتكلمت ، تقريبا الكلام خلص ، وبدأؤ يخترعوا كلام وألفاظ جديدة، وبقى التعليق على المتشات شوية كلام ملوش معنى متداخل فى بعضه ، بيملى بيه المذيع ودان اللى بيسمع وخلاص ، وهتمشى فى الشارع هتسمع واحد بيغنى للخضروات والفاكهة ، وهتلاقى المذيعين فى التلفزيون بيتكلموا عن أى موقف تافه بيحصل فى الشارع ، أو موقف محصلش أصلاً ، أو بيقولوا رسايل المشاهدين الأعزاء للبرنامج اللى بيمدحوا فيها فى ظُرف المذيع وجمال المذيعة ، أهو أى حاجة تملى وقت البرنامج وخلاص.

كمان معظم مشاكلنا ، وعلاقتنا اللى بتتقطع مع ناس أعزاء جداً علينا ، غالباً بتكون بسبب كلمة ، مكنتش فى وقتها من الكلام الكتير اللى بنتكلمه ، وعشان كده دايماً تلاقى الناس الخبراء والحكماء بجد فى الحياة عارفين قيمة الكلمة ، وعارفين امتى و ليه الكلمة بتخرج منهم ، وعمرك ما تلاقى واحد ناجح وسعيد فى حياته ، وبيحقق أهدافه ، شغله أقل من كلامه ، لإن الكلام دايماً بيبقى بعد الإنجاز .. مش قبله.

0 التعليقات 'المعلق ده رغّااااااااى'

إرسال تعليق