الفرصة الأخيرة -2

مرسلة بواسطة حسام حسان On 9:02 م
خرج يجر رجليه إلى الطريق الخاوى بجانب النيل الذى اتشح بظلمة الليل ، لم يحتاج لأن يتوارى عن أعين الناس حتى يخرج تلك العلبة ويتناول حبوبها فى يده ، هم بابتلاعها ، ارتجف من جديد ، لم تكن مثل باقى الارتجافات ، كانت الأكبر فى حياته ، ارتجافه أسقطت منه الحبوب على الأرض ، هبط يلتقطهم ، سقطت من عينيه دمعة ، ..دمعة الخوف ... العجز ..الألم. رفع عينيه إلى أعلى ، وجد خوفه وقد أصبح عملاقاً يسد عنه الأفق ، عندها أطلق صرخة ، صرخة مدوية هزت أركان المكان من حوله ، صرخة حملت فى طياتها كل آلام وحسرات السنين... نظر إلى العملاق فى تحد صارخاً: اذاً فلننهى اللعبة إلى النهاية ..نظر فى ساعته ثم أردف متحديا: ولنتراهن على فرصتى الأخيرة ... موعدنا عند الغروب.

لطالما كان الغروب يجسد للشاب أبشع مظاهر الخوف ، كان يشعره وكأنه بين أحضان وحش يهدهده ، كان مزيجاً من الكآبة والألم ..، وقف يفكر ، لقد انقشعت ظلمة الليل ، وحل مكانه الضياء المبين ، وزقزقة العصافير هنا وهناك ، اقترب منه أحد الأسراب ، أحس أنه لأول مرة يسمع تلك الأصوات السعيدة ، اقترب منه أحدهم بشكل كبير ، لم يعبأ ، ولكن الطائر قصده هامسا له برسالة ، ما ان تلقاها الشاب حتى نظر الى يمينه ، وجد شيخ طاعن فى السن ، جميل الوجه ، مازال يحتفظ بقوة جسده على الرغم من تقدمه فى السن ، تردد فى الذهاب اليه ، تذكر رسالة الطائر ، فكر الشاب قليلا ، ان اليوم ليس يوم التردد ، همّ الشيخ بالرحيل ، استطاع الشاب اللحاق به ، وقبل ان يتفوه بكلمة ، بادره الرجل....- لو استطعت ان تنفذ وصية الطائر فستمد لك الفرصة الى ما لانهاية.. بنى ...انها فرصتك الأخيرة ... اغتنمها..

لم يفهم كلام الشيخ ، ولكنه لم يضيع الوقت ، انطلق مباشرة إلى مكان خوفه القديم ، واستأجر ذلك الجواد القوى، ارتفع على ظهره فى خفة ومرونة ، كانت تلك هى رياضته قبل أن يتركها من أجله ، من أجل الخوف ، شد لجام الفرس فى قوة فارتفع ، حتى بدا المشهد صالحا لأن يكون تمثالاً فى أحد الميادين الكبرى ، انطلق الجواد براكبه ، رفع الشاب يده فى الهواء ، تحسسه يدخل إلى أعماقه وينقى جسده المرتجف ، تملكه الخوف من جديد ، فزاد من سرعة الفرس من جديد ، انطلق كالطائر لا يخشى على رزقه من الضياع ، جال وصال كفارس عظيم من عصور المجد القديمة .

.... عليه أن يعود أدراجه ، إن الشمس قد أوشكت على الغروب ، لا يهم ذلك الآن ، إنه ذاق طعم حرية الشجاعة ، من بعد قيود الخوف ، وعد نفسه ألا يرتجف بعد الآن ..وسيثبت ذلك عند الغروب.
فى طريق العودة ، وجد تلك الفتاة ، الفتاة الجميلة التى كشفت عن خوفه وخجله منذ الصغر ، لم يعد صغيراً ولا مرتجفاً..، أسرع الخطا إليها ، لحق بها ، تذكرها وتذكرته ، فاجأها بثبات...:
- أتوافقين على الزواج بى؟
- ولماذا عليا أن أوافق؟
- لأنى سأكسب التحدى بموافقتك
لم تفهم أى شئ من قولته ، ولكنها أجابت فى سعادة بالغة..
-نعم ...أوافق

كانت تلك الموافقة هى حجر الزاوية الناقص لاكمال بناء صرح سعادته ، لقد كسب التحدى عن جدارة واستحقاق ، هاهى الشمس قد بدأت فى المغيب ، نظر اليها الشاب فى حسرة وألم ، انها آخر شمس يراها فى حياته .. بدا الغروب مغايراً هذه المرة ، بدا كملاك يحتضنه ، تردد للحظة ، ولكنه تذكر التحدى ، فلينهى آخر مراحل اللعبة ، لعبة التحدى ، ..... لينهيها بالفوز الساحق.

بدون تردد ، أخرج العلبة من جيبه ، تناول نصف ما تحتويه ، كمية تكفى لأن يرتاح ، جلس فى مكان بعيد ينتظر مصيره فى هدوء وثبات ، ظل يتذكر مشاهد المتعة فى ذلك اليوم ، انتظر الشاب المجهول بقلب شجاع ، لم يأتى المجهول ، طال انتظاره ، تفحص المكتوب على العلبة ، تأكد انه يتناول السم المنشود ، ربما لم يتناول الجرعة الكافية ، أفرغ محتوى العلبة كاملاً فى فمه ، لم يترنح ولم يمت ، ...تذكر كلام الشيخ ، نظر فى الأفق البعيد ، انها لم تكن فرصته الأخيرة ، انها لم تكن سوى البداية.

0 التعليقات 'الفرصة الأخيرة -2'

إرسال تعليق