كنت داخل الكلية مع واحد صاحبى مُحبط من موقف حصله ، فبقوله انه حصل خير وبحاول أخفف عنه ، فقالى بكل حماس "أنت عارف .. انا عمرى ماندمت على أى قرار اخدته فى حياتى" ، والحقيقة إن انطلاقته السريعة فى مدخل الكلية ، وخروج الجملة دى منه بالقوة والحماس والاصرار ده ، فكرونى بأحمد عرابى وهو داخل على قصر عابدين عشان يعرض مطالب الشعب على الملك.
الحقيقة ان فكرة عدم الندم دى حاجة ناس كتير بتفتخر فيها ، وأنا كنت أولهم ، لكن لازم نعرف أن اللى بيقول أنه عمره مابيندم على حاجة ده ياأما بيندم كتير وبيدارى ده ، يا أما عنده شعور باللامبالاة ومش هيقدر يغير أى حاجة غلط فى حياته.
معروف أن احنا فى طريقنا بتمر بينا خبرات وتجارب ودروس ، وكل مازادت حدة وقسوة الدرس والتجربة كل ما زادت الفايدة منه ، وكل مامرت التجربة على الانسان مرور الكرام ، بيلاقى نفسه نسيها ، أو تنساها مع الوقت ، ومفيش حاجة تزود قسوة التجربة أو الدرس إلا من خلال شوية ندم على قرار غلط ، او حاجة غلط سببت التجربة دى.
فى علم النفس زمان ، وعلوم البرمجة اللغوية العصبية حديثاً ، فى طريقة مشهورة جداً بتساعدنا ان احنا نغير من أى سلوك او عادة غلط ، وهى أنى اربط العادة دى بالألم ، والأحاسيس والمشاعرالسلبية ، فمثلاً لو فى واحد كدّاب وعاوز يبطل عادة الكدب ، هيبدأ أنه يربط العادة دى بالألم ، فهو لمّا بيكدب بيبقى مكروه من النّاس، ومن قبليهم هو مكروه من نفسه ، لأنه بيخسر صداقة نفسه اللى بيكدب عليها، وهو إنسان منافق ، والنفاق دليل على الجبن والبخل ، وكمان لمّا بيكدب بيندم كتير على كدبه ، وبالتالى ، هو بيربط عادته اللى عاوز يغيرها ، بمجموعة من الاحاسيس والمشاعر السلبية ، اللى تخليه يبقى عاوز يغيرها عشان يبطل شعور بالألم.
هنا بدون الندم ، هيحس الكدّاب أنه مبيعملش أى حاجة غلط ، ومش هيقدر يربط عادة الكدب بالألم ، وساعتها ، هيبقى الكدب حلو وجميل ومفيش داعى للتغيير.
حتى فى شروط توبة الإنسان لربه، عشان يبدأ حياة جديدة ، لازم يعلن ندمه على الحياة الغلط اللى كان عايشها ، وبدون الندم هو كده بيقرّ ويأكد إن حياته كانت صح ، وبالتالى مفيش داعى يغيرها.
الندم اللى أقصده هنا هو ندم مكانى ، مش ندم وقتى ، .. مكانه هو القلب والعقل ، ومش وقتى ، يعنى مينفعش أقول أنا هقعد بكرة ساعة ونص بعد العصر أندم على الوقت اللى ضيعته السنة دى من غير مذاكرة.
الندم الصح هو على شكل لمحة حزن وانكسار على حاجة غلط عملناها ، وبنحاول نصححها ، عشان نبدأ صفحة جديدة.
يعنى معنى كده ، أن الندم مش معناه إطلاقاً إنى أفضل أقول ، أنا لوكنت ذاكرت أكتر كنت جبت تقدير واشتغلت فى الشركة الفلانية ، ولو كنت مغبتش اليوم ده فى الشغل كان المدير رضى عنى ومخصمش من مرتبى ، .. الى آخره بقى من الكلام اللى لا يوّدى ولا يجيب ، وده ببساطة لأن " لو تفتح عمل الشيطان" ، ومش هاخد منها غير يأس وإحباط وضياع للوقت.
أهم حاجة فى الندم إنه يبقى بقدر معين ، وكل واحد فينا هو الوحيد القادر أنه يحسب القدر ده ، وميسمحش للندم تحت أى ظروف أنه يكبر ويتحول لإحباط وهزيمة ويأس.
بالعكس، أنا محتاج قدر من الندم يبقى طاقة تحفيز وقوة جبارة ، تقوّى عندى القدرة على التحدى و تغيير الغلط اللى بيحصل ، ووقف نزيف الوقت والمجهود اللى بيضيعوا فى الهوا.
مهم جداً فى عملية الندم أنى أندم على الحاجات اللى تخصنى بس ، مش زى مابنشوف الشباب على القهاوى قاعدين يندموا على اللى حصل لفريقهم ، فواحد فيهم ندمان عشان معسكر الفريق اتعمل فى انجلترا ومتعملش فى فرنسا ، والتانى اللى بيقول "آه لو الجون كان أكبر 10 سنتى بس ، كان زمان الكورة دخلت" ، وكل الندم ده مليش حق فيه لإنه ميخصنيش.
كمان الندم ميكونش فى الراحة والجايّة ، على الصغيرة والكبيرة ، وتلاقى واحدة بقالها يومين ندمانة عشان أول امبارح زودت الدقيق فى الكيكة فبوّظتها ، وواحد زعلان أوى لإنه راح مطعم كذا اللى أكله كان وحش ، ومكلش من عند عم عبده اللى جمب بيته أحسن.
الندم اللى أقصده ، هو ندم بقدر معقول ، فى قرارات مصيرية ومهمة ، يعنى مثلاُ ، لو شاب ارتبط ببنت وقعد سنة قبل الجواز ، حاسس إن البنت دى مش مناسبة ، أو الجوازة دى مش صح ، وبعد السنة قرر الانفصال.
الشاب ده لو عدّى الموضوع عادى ، وقال أنه مبيندمش على حاجة زى صاحبنا ، هيكرر الموقف ده مرة واتنين وتلاتة ، ويضيع حياته وحياة غيره ، لكن قدر معين من الندم على سنة راحت من حياته وحياة شخص تانى ، هيخليه يقرر إنه يبقى واضح ومنطقى بعد كده فى اختياراته ، وبكده المرة اللى بعديها هيختار صح .. ، ومش المفروض إن حد الندم ده يزيد لدرجة إنه يلعن الساعة اللى قرر فيها يتجوز ، ويقسم إنه مش هيكررها تانى ، لإن فى الأول و الآخر ، احنا عاوزين ندم يدينا قوة وحافز ، مش ندم يقتلنا.
موضوع حلو اوى وفى ناس كتير بتقول بلاش نندم على اللى راح لانة راح بس الندم برضوا له فايدة ميرسى كتير على الموضوع
مقالة جامدة جدا وتحفة وفعلا انا متفقة معاك مدام الندم داه هيدينا قوة تحفيز يعنى دافع ايجابى