أحياناً تلاقى شخص مش بيحب مجاله ، وعمّال بيشتم ليل نهار فيه ، فلمّا تنصحه بحسن نية إنه ممكن يتحول لمجال بيحبه ، يبصّلك وكأنك مجنون ، أو يقولك " فعلاً المفروض أغيره " ، وفى سره (طب روّح بقى إنت شكلك جاى تهرج)
وبتحصل كتير أوى فى الشباب اللى بيدخل كلية مش حاببها ، وتقوله حرام عليك تتضيع عمرك فى حاجة مش بتحبها ، فتلاقيه يستغرب أوى من الكلام ، وكأنك برضه جاى من كوكب تانى ، خصوصاً مثلاً لمّا يكون نفسه كان يدخل اقتصاد وعلوم سياسية ، وهو دلوقتى فى تجارة.
أنا مش شايف إن في أى مشكلة إن حد يدرس أى حاجة مهما كانت ، وهو فى كلية ملهاش علاقة بالموضوع ملهاش علاقة بالحاجة دى ، وقصص نجاح كتيرة قدامى لناس بالشكل ده ، وكنت أعرف عباقرة كمبيوتر خريجى كلية الزراعة ، وناس فى الإدارة والموارد البشرية خريجى آداب ، عادى جداً.
زمان مكنش فى حاجة اسمها كليات ، وكانت الناس بتتعلم فى المكان اللى بتحبه ، وعندها مرونة إنها تغير باستمرار من مجال لمجال ، ومن علم لعلم ، عشان كده هنلاقى إن العربى زمان كان يعرف فى العلوم والفلك والطب والرياضيات ، والاجتماع وغيره ، منطلق من مبدأ إن الإنسان بيعمل الحاجة اللى بتشدوا ، وبيحبها أكتر من غيرها ، عكس النهاردة ، اللى فى مجال معين حاسس ، إن القانون هيعاقبه بأشد العقوبات لو أظهر نيته الخبيثة فى إنه يحول للحاجة اللى بيحبها.
كمان فى كلمة بنقولها كتير ، والكلمة دى كانت هدمرنى فى يوم من الأيام ، وهى "يااااااه ، بعد ما ضيعت كل السنين فى الحاجة دى، أسيبها وأروح لحاجة تانية؟" ، وعشان كده دايماً كنت بخاف من مجرد التفكير فى تغيير وجهتى من مجال أو علم لمجال أو علم تانى ، وحتّة القلق أو الخوف دى لازم تتحسم لمّا يكون عندنا حافز كبير إنّ احنا نعمل الحاجة اللى بنحبها .
الحاجة التانية اللى بتمنعنا من المرونة فى حياتنا ، هى العند ، وإحساسنا إن الناس هتقول علينا مشتتين ، أو معنداش رأى خصوصاً لمّا الإنسان يقف قدام ناس ويتحداهم برأيه ، وفى الآخر يكتشف إن رأيه كان غلط ، وهنا بتحصل الكارثة لمّا أكون عايش حياة كلها غلط عشان خاطر حد ، وعشان ميتقلش إنى رجعت فى كلامى.
موقف حصلى من سنين ، لمّا كنت حاضر فى محاضرة ، واتكلمت عن أحلامى وطموحاتى فى بناء أكبر شركة برمجة ، وعرضت إزاى إن الشركة دى هتنافس الشركات الكبيرة فى العالم ، وكان بيسمعنى شخص معروف فى مسنادته للشباب و رواد الأعمال ، وعنده شركة توظيف ضخمة ، ووعدنى إنه هيعرّفنى على الناس فى أكبر شركات البرمجة فى العالم ، واللى هو على اتصال بيهم.
طبعاً يوميها أنا طرت من الفرح ، وحسيت إنى حياتى أخدت شكل تانى ، والموضوع إتحول عندى من حب وطموح فى حاجة لمعينة ، لحاجة شبه التحدى واثبات الذات قبل ما أقابل الراجل ، وابدأ فى الشغل اللى هو وعدنى بيه ، وفعلاً مقابلتوش إلا بعد فترة لمّا اتأكدت إنّى واخد خطوات كويسة جداً ، ودرست كتير فى مجال البرمجة.
قبل المقابلة دى بفترة ، كنت قريت كتاب إبراهيم الفقى (المفاتيح العشرة من النجاح)، وكان الكتاب ممتاز وسهل وواضح جداً ، ووممتع ومحفز فى إسلوبه ، ووصلت لدرجة إنى حفظته تقريباً بكل قصصه ، لكن كنت بعدّى على صفة المرونة ، وأنا حاسس إنى بقرا حاجة نظرى جداً ملهاش معنى ، بس فى اليوم ده قريتها ، وفضلت أفكر فى قصته الشهيرة بتاعة الذبابة ، لما فضلت تطير جمب الشباك المقفول ، وتلف حوالين نفسها ، لحد ما اتخنقت وماتت ، وهى بتموت خلاص بصيت بحسرة للباب المفتوح الناحية التانية، لو كانت فكرت ثوانى بمرونة لحياتها كانت اكتشفت إن فى طرق كتير لسعادتها ونجاحها.
بدأت أفكر فى القصة دى بتعمق أكبر ، وطبقتها على حياتى ، وبدأت أفكر فى عِندى ، وعدم اعترافى بإحساسى إنى مش بحب المجال اللى أنا كنت بحلم بيه طول عمرى ، وكنت مبقدرش أقول كده قدام نفسى ، و لو جرئت أقول أنى مش بحب البرمجة اللى كانت أملى ومناى ، وقضيت فى دراستها كتير ، بحس ساعتها إنى هضرب نفسى بالألم ، وهقولها حسك عينك تفكرى فى العبط ده تانى.
اليوم ده كان أول احتكاك حقيقى بصفة المرونة ، وبفكرت بوضوح وبصراحة وشفافية بينى وبين نفسى ، ايه الحاجة والمجال اللى بستمتع بيه ، وبعد ما قررت إنى مش هعمل حاجة غير الحاجة اللى بحبها ، حسيت بحمل زى جبل عملاق وانزاح.
وكانت من العلامات الواضحة اللى فى حياتى ، إنى لمّا قابلت الراجل اللى عنده شركة التوظيف ، بدأت أكلمه وأنا متردد ومكسوف من قرارى ، ومصارحتوش بيه ، بس هو اتكلم ، ولحد دلوقتى مش عارف هو اتكلم كده ليه ، عشان حسّ بتردد منى ، ولا دى كانت علامة من العلامات ، اللى اتكلمت قبل كده عنها ، عشان أكمل بثقة فى قرارى ، المهم إنه حكالى عن ناس غيّروا فكرهم للأفضل ، وإن مع تطور الإنسان بتتغير أفكاره وأهدافه ، ولمّا حسيت إن ده حبل الإنقاذ مسكت فيه ، وكإن ابن كان تايه ورجع لأهله ، وقعدت أحكى عن إنى غيرت فكرى ، وحابب أكمل فى الإدارة ، وازاى الموضوع ده أنا حابه أكتر ، ومن يومها وأنا حابب مجالى ، ومش بعمل حاجة أو أدرس حاجة مش بحبها ، وده لإنى فكرت ثوانى بتفكير مرن شوية ، وبدون خوف أو شكوك.
دى النقطة كمان اللى لازم ناخد بالنا واحنا بنتعامل مع المرونة ، إنى لازم أبقى عندى ثقة وشجاعة فى قراراتى واختياراتى ، وأنا اللى بحاسب نفسى ، ومفيش حد من البشر يقدر يقولى إن ليه بتعمل ده ، وبتحب ده ، ومبتحبش ده ، وعلى الرغم من الاستشارة بتبقى مهمة ، وخصوصاً من الناس اللى فاهمة واللى عندها تجربة وخبرة ، لكن فى النهاية هو قرارى ، وأنا المتحكم ومسئول عنه.
المرونة مهمة فى أنى ببص دايماً للأمور بشكل أوسع وأكبر ، ومش ببقى زى الناس اللى باصّة تحت رجلها ، ... بيبقى عندى بعد نظر ، فممكن يجيلى وظيفة ممتازة ، لكن عشان أنا عندى مرونة عالية ، بفهم إن الوظيفة دى مش بتاعتى ، أو ممكن أصبر أكتر ، وأروح لمكان أحسن ، طبعاً ده غير قدرة الإنسان على الخروج من الأزمات المعقدة ، لإنه بيفكر بأكتر من طريقة ، وبتفكير مبدع ومختلف .
الإنسان المرن قادر على إنه يتأقلم فى أى بيئة وأى محيط ، سواء سافر خارج بلده ، أو اتعامل مع بشر بعاد عن ثقافته وطريقة تفكيره ، ويقدر يكسبهم ويضمهم لصفه.
الإنسان المرن إنسان هو أقرب مايكون للسعادة ، لإنه زى الصقر ، شايف الفرص ، بيشوف النجاح فى كل طريق للفشل ، وبيشوف الانتصار فى كل هزيمة ، وبيشوف بياض ناصع فى السواد اللى بيشوفه الناس ، وعشان كده أكتر واحد متقلقش عليه ، هو الإنسان المرن ، لإن شعاره : "دايماً فى طريق" ، وهو مصمم إن هيلاقى الطريق ده أو غيره ، عشان يوصل ، ويحقق أحلامه.
0 التعليقات 'دايماً فى طريق'
إرسال تعليق