الحياة أبسط من كده

مرسلة بواسطة حسام حسان On 11:35 ص

هو مش الأسبوع اللى فات كان امبارح ، والشهر اللى فات كان أول امبارح ، ولا انا غلطان ولا فيه ايه بالظبط.

لو أخدنا صورة للعالم من فوق ، هنلاقى حاجة ثابتة فى أى مكان من العالم النهاردة ، الناس بتجرى ، العربيات بتجرى ، الموتوسيكلات بتجرى ، حتى الزمن والعمر بيجرى.

نفسى يبقى معايا الريموت كنترول اللى بيوقف القناة فى التلفزيون ، و أوقف بيه الدنيا لحظة ، أوقف الناس دى ، والعربيات دى ، وأوقف الزمن ، واسأل "هو فى ايه بالظبط؟؟"

ايه اللى وصّل حالنا للسرعة الرهيبة دى ، والمشكلة مش فى كده ، المشكلة ان السرعة دى جايا علينا بخسارة ، وحاسيين ان كل الأيام زى بعض ، وبتعدى زى نسمة هوا بتسرقنا فى يوم شتا، مش حاسيين فيه بأى نسمات ، لأن الجو أصلاً كله رياح وعواصف.

بيعزل علماء النفس نوعية من الناس اسمها النوعية (A)، ودول بقى مجموعة من البشر ، بتعمل كل حاجة بسرعة جداً ، بتاكل بسرعة ، بتشرب بسرعة ، بتمشى بسرعة ، بتحب تعمل أكتر من حاجة فى نفس الوقت ، بتحاول توصل للكمال فى كل حاجة بتعملها ، بتحس بذنب كبير لمّا يرتاحوا شوية ، وكأنهم أجرموا فى حق نفسهم ، ولو عاوز الناس دى تشتغل حلو ، لازم تخليهم يشتغلوا تحت ضغط ، .. والصراحة دى نوعية تجيب الضغط.

من غير تريقة على الناس دى ، واللى هما كانوا قلة زمان، أصبح معظم الناس من الفئة دى ، طب السؤال هنا .. السبب إيه ؟؟

لو السبب الإنجاز ، من الواضح إن مفيش إنجازات بتحصل ، ولو الدافع ، أنهم بيستعجلوا شوية عشان يروّحوا بيوتهم بقى يرتاحوا ، فده برضه مبيحصلش.

مينفعش نبرّأ حد من التهمة دى ، لأن الأغلب أصبح متهم بالسرعة الشديدة ، وتعقيد الدنيا اللى فقدنا أى متعة فيها ، لا حاسين بطعم أكل ، ولا شرب ، ولا شوية تمشية كده برواقة.

افتكر لمّا كنت فى الكلية ، وكانت الكلية بعيدة عن بيتى ، سفر يعنى ، كنت بنزل من بيتى عشان ألحق أرجع ، كنت بحاول أدمج المحاضرات فى بعض ، وأكل وأنا بتكلم ، واتخانق وأنا بتعرف ، وأعمل كل حاجة فى نفس الوقت ، عشان أخلص.

طبعاً أنا مش بندم على الكلام ده ، لأن الإنسان مش بيتعلم ببلاش ، لكن فعلاً لمّا الواحد يفكّر ايه السبب فى توترنا وتسرعنا ده فى كل حاجة بنعملها ، هيكتشف إن مفيش أى سبب ، ومفيش حاجة واضحة مفيدة نتاج تعب الأعصاب ده.

نوقّف بقى شوية الصورة السريعة الملخبطة دى ، وننزل على مكان هادى ، رايق جداً ، طبعاً مش زى زمان برضه ، بس مازال يعتبر الزرار السحرى عشان الواحد ياخد نفسه.

المكان ده هو الريف الأخضر الجميل ، ونادراً لمّا الواحد ينزل الأماكن الرائعة دى ، لكن لما بتحصل الفرصة النادرة دى ، بحس أن حد دلق عليّا دش بارد لذيذ فى يوم الناس بتموت فيه من الحر.

الناس هادية ، وبيقعدوا بليل يتسامروا وكأن الزمن وقف عندهم ، كل الناس تعرف بعضها ، مفيش فرق بين الدكتور ، ورجل الأعمال ، ورجل المطافى ، والبواب ، كله بيتلم فى مكان مكشوف متشفش فيه غير النجوم وبس ، حاجة ترد الروح.

مش هنسى اليوم اللى نزلت فيه مع صديق ليّا فى أرض زراعية ، وكلنا برتقان ، والشمس كانت بتغيب على مهلها ، حتى الشمس والمناظر الطبيعية ، بتشوفها بشكل مختلف فى الأماكن دى ، بتبقى منظومة كاملة متكاملة من الجمال والهدوء والسلام الداخلى.

أنا تفسيرى للى بيحصل ده ، أن احنا فهمنا الحياة بشكل غلط ، ومش قادرين نقف شوية نفهم الموضوع بشكل صح عشان نتمتع بحياتنا.

يُذكر فى الأثر ان سيدنا موسى مرّ على سيدة كبيرة فى السن قاعدة تعيط على ابنها اللى مات، فسألها هو ابنها مات عنده كام سنة ، فقالتله أنه مات فى عز شبابه (ياعينى)، يجى 60 سنة كده ، وده كان الطبيعى أيام زمان ان الناس بتعيش كتير، فسيدنا موسى حبّ انه يخفف عنها ، فقال لها أنه هيجى نبى يكون متوسط أعمار أمته فى الستين والسبعين، ردت عليه الست وقالتله : "لو كان عمري مثلهم لما بنيت بيتا وسأستظل تحت صخرة واذكر الله ، اذا طلعت عليا الشمس من جهة ، ذهبت الى الجهه الأخرى"

طبعاً أنا مش بطلب ان احنا نروح نبنى صخرة نقعد عليها بدل البيت ، بالعكس ، طالما الحياة قصيرة جداً ، ومش ملاحقين عليها كده ، يبقى لازم نقف و نسأل نفسنا سؤال مهم ، "ياترى كام حاجة فى حياتنا تستحق مننا أن احنا نجرى ونتعب عشانها؟؟"، وبعد الإجابة عن السؤال ده نحاول نركز جهودنا فى الحاجات اللى هتفدنا بجد ، والحاجات اللى هنستمتع بيها صح فى حياتنا.

لازم نرجع نسأل نفسنا أسئلة مصيرية ، "ياترى أنا بحب دراستى؟" ، "ياترى أنا فعلاً بحب شغلى ؟؟" ، "ياترى ممكن أعمل ايه عشان استمتع بحياتى" ، "ايه هى الحاجة اللى تستحق منى فعلاً أنى أجرى وراها وأتعب عشانها؟" ، "ياترى مين الأشخاص اللى المفروض ياخدوا وقتى ، واشمعنى دول ؟ واعمل ايه عشانهم؟" ، "ياترى الحياة معقدة أوى وسريعة ، ولا الحياة أبسط من كده؟؟"

لو جاوبنا صح على كل الأسئلة دى ، هنوصل لصيغة ومعادلة نحقق بيها السعادة المطلوبة ، ومش هيضيع مننا عمرنا بالشكل الرهيب ده.

الشيخ الشعراوى لفت نظرى زمان لجملة غريبة ، لما كان بيتقال أن ربنا بيزود عمر اللى بيصل رحمه ، كانت الناس فاكره أنها بدل ما هتعيش ستين سنة ، لو وَصَلت عمها تعيش ستين ونص ، ولو وصلت عمها وخالها ، تعيش اتنين وستين ، .. وهكذا.

الشيخ فسّر الموضوع ده بحاجة فى صلب موضوعنا ، وكلنا بنحس بيها جداً ، قال إن فيه خط طولى للعمر ، وخط عرضى ، والخط الطولى ده هو العمر الظاهرى ، اللى هو رقم ، ممكن يبقى 20 ، 60 ، 70 ، 100 ، المهم انه رقم وخلاص.

الأهم هو الخط العرضى ، وهو البركة فى العمر ، يعنى اليوم الواحد ممكن يعدى علينا كأنه سنة لو فيه بركة ، وثانية لو مفهوش بركة.

الخط العرضى للعمر ده بيكبر بحاجات بسيطة جداً احنا بنغفل عنها ، منها مثلاً ان احنا نعمل كل حاجة فى حياتنا بتركيز وبمتعة وحماس ، وفيه كتب كتير جداً أصحابها بيتكلموا عن الموضوع ده بس ، ان احنا نسيب السرعة فى كل حاجة بنعملها ونبدأ نركز شوية ، ومنفكرش الا فى الحاجة اللى بنعملها بس ، ومن خلال الموضوع ده بيبقى فى أيدينا روشتة تحقق لنا السعادة، وعلى الرغم من ان تطبيق الموضوع ده صعب جداً ، واللى بيتخيل انه سهل يبقى أكيد لسه مجربش ، إلا ان اللى بيوصل لفهم وتطبيق الروشتة دى بيحقق نتايج هايلة.

مرة واحد حكالى قصته لمّا كان راكب مع أصحابه فى تاكسى ورايحين حفلة ، فسواق التاكسى كان راجل بركة كده ، وبيسأله بحسن نية ، "ومفيش حاجة تستمتع بيها غير الموضوع ده؟"، فرد عليه واحد وقاله "لا مفيش ، قولنّا انتا"، فقاله "عندك الأكل مثلا ، استمتع بيه"، طبعاً الولد كأنه سمع نكتة الموسم ، وانفجر بقى فى الضحك.

بعديها بيوم واحد صاحبنا ده جاله قرحة فى بقه ، حاجة منعته أنه ياكل أو يعرف يستمتع بالأكل ، (يلا عشان تبطل تتريق على الراجل البركة ده تانى).

حتى الأكل ، العملية البسيطة جداً اللى بنعملها عشان نخلص منها ، وأهى أكلة والسلام ، العملية البسيطة دى ممكن تتحول لمتعة ملهاش نهاية ، بمجرد الاستمتاع والتركيز فيها ، والهدوء والرواقة واحنا بنعملها.

أول درس اتعلمته فى الرحلة ، إن دايماً الحياة أبسط من كده ، وإن أول ما بعقدها على نفسى ، بحس أن الوقت بيجرى ، وقاعد اجرى وراه ، لاهو بيوصل ، ولا أنا بلحقه.

0 التعليقات 'الحياة أبسط من كده'

إرسال تعليق